أبناؤنا .. ودقائق اللعب النافع!

أبناؤنا .. ودقائق اللعب النافع!

كنت في بعض كلماتي، أقول أن: ” ساعة من اللعب للأبناء، ربما تنفعهم في بناء شخصياتهم، أكثر مما تنفعهم ساعة مذاكرة. 

فاللعب الموجه المقوم المبني على رؤية علمية تربوية، ينفع نفعا كبيرا في بناء شخصية الأبناء واستقامتها وعلاج أمراضها . 

وألعاب الأطفال، مجال زاخر بالفوائد في كسب الخبرات، وتفهيم القيم وتوصيل المعاني للأبناء، بصورة سلسة بسيطة، ترسخ في عقولهم وتستمر معهم طوال أعمارهم .

وفرق كبير بين دقائق اللعب التي قد تدفع  بعض الأمهات  أبناءها إليها، لإشغالهم عنها أو إسكاتهم، وبين دقائق من اللعب المتميز المختار المتابع . 

فللعب تأثير مباشر على نموهم العضلي ، والعقلي ، والعاطفي والإجتماعي أيضاً ، فاللعب يساهم في نمو العضلات الصغرى والكبرى، ونمو الأطفال بشكل طبيعي، ويساعد الأطفال في توضيح وتنمية بعض التصورات، والمفاهيم الهامة نحو الذات أو نحو الآخر ، ونحو الرضا أو الرفض ، وكيف يرون الآخر من خلال ممارسات اجتماعية يومية . 

كذلك فإن شخصية الطفل تكتسب سماتها وأنماطها من خلال أنشطة التفاعل مع الآخرين ،  وأول هذه الأنشطة التي يتعرض إليها الطفل هو نشاط اللعب .

فاللعب يقدم للطفل قدرة بنائية، على تقييم مدى أثر أفعاله المختلفة وتصرفاته وردود الأفعال تجاهها ، وهو كذلك يمد الطفل بسعة خيالية وإمكانات إبتكارية تساعد على تميزه فيما بعد  . 

ويحمل اللعب العديد من الفوائد النفسية للطفل؛ بل ويمكن أن يساهم في تحسن بعض حالات الأمراض المتعلقة باضطراب السلوك، أو الأطفال الذين يعانون من مشكلات نفسية.

ويعتبر اللعب العلاج الأمثل للإنطواء والشعور بالعزلة، والخجل لدى الأطفال وكذلك القلق والاكتئاب، ومن المعروف أن بعض المشكلات النفسية تتكون في السنوات الأولى، كما أن الحرمان من اللعب من العوامل التي يمكن أن يكون لها أثر بالغ السلبية في ما بعد.

 والواقع أن الأطفال في السن الصغير، لا يستطيعون وضع الحد الفاصل بين اللعب وبين الحياة بصورة دقيقة . 

فالطفل قبل دخوله إلى المدرسة يمضي غالب يومه في اللعب، و في المدرسة  يبدأ الطفل في التفريق بين فترة الجد والتعلم ، و بين فترة اللعب، ويكون لذلك أثر إما سلبي أو إيجابي تجاه الدراسة فيما بعد ، ومن هنا فبعض المفكرين التربويين، يرون أن السنين الأولى من الدراسة الإبتدائية، ينبغي أن تتحلى بالترفيه، وتقترب ما أمكن من مفهوم اللعب عند الأطفال، حتى لا يتكون في داخل الطفل نفور ذاتي من جو الدراسة الدخيل عليه . 

 إلا أن آخرين يرون أن تحديد وقت للجدية، وإيقاف اللعب في بعض ساعات النهار، – سواء للاستذكار أو للصلاة أو للطعام أو مثاله- ينشئ حداً فاصلاً بين حياة اللهو واللعب عند الطفل،  وبين الجدية والتأثير وهذا ما نميل إليه بالفعل ، بشرط أن يتم ذلك تدريجياً في السنتين الأوليين من سنوات التعليم الابتدائي ، وأن ربط العملية الدراسية  ببيئة اللعب،  بصورة تشجيعية وتحفيزية تصل بالطفل لحب الدراسة  والتعلم ، فيتكون لديه مزيج نفسي شعوري بين الرغبة في اللعب، والإنجاز فيه و الرغبة في التعلم والإنجاز فيه . 

وباعتبار اللعب نشاطاً ، فإننا بصدد الحديث عن الحاجة إلى توجيه هذا النشاط، بأن نسمح بعناصر التوجيه الإيجابية في المتعلقات المؤثرة في اللعب ، دون التدخل في نفس النشاط الذي يمارسه الطفل ، كتوجيهنا لشكل اللعبة ، وإمكاناتها ، واختيار مكان اللعب ، والمشاركين في اللعب ، والإمكانات المتاحة ، والظروف المختلفة التي تحيط بالطفل أثناء اللعب. 

كذلك فإننا ننصح المربين الذين يعتمدون في مسألة اللعب على نوع مخصص من الألعاب والدمى ، بأن لا نختار للأطفال ألعابا كثيرة الجاذبية أو واسعة الإمكانات ، ولنحاول دوماً أن نختار نوع اللعبة التي يتفاعل معها الطفل أثناء لعبه ، ويقوم تجاهها بدور ما . 

 كما أننا هنا لا ننصح بما نراه في بعض الروضات ونوادي الأطفال، من تخصيص غرفة تحوي ألعاباً معينة يراها الطفل ويتفاعل معها يومياُ، بطريقة ثابتة ، ونرشح بصورة أكبر، إمكانية وضع مواد أولية مناسبة للأطفال، تجعلهم يبنون بأنفسهم تصورهم للعبة التي يختارونها ، ولا شك أن التجاوز في هذا الاختيار مفتوح ، ولا يخضع لقواعد صارمة ولكنه من قبيل اختيار الأفضل .

والحقيقة أننا لو تفهمنا الوظائف الفعلية للعب عند الأطفال، سنستطيع رؤية الموقف الذي يمر به الطفل أثناء لعبه بشكل أوضح : 

 فمثلا لو نظرنا إلى اللعب كوسيلة لتفاعل الطفل مع بيئته ، سنجد أن الطفل من خلال اللعب يكرر ، ويجرب ، ويحاول ، ويكتشف ، ويغير أشكالا وأوضاعا مختلفة أثناء لعبه ، وهذا يمَكنه من بناء تصور خيالي ذاتي في ذهنه مع إمكانية تحويله إلى واقع . 

كذلك لو نظرنا إلى اللعب كوسيلة للوعي ، فسنرى كيف يمزج الطفل بين الكائنات الحية وبين الجمادات ، ويحاول بناء شبكة اتصال مع الأشياء المحيطة به.

و حيث أن  اللعب وسيلة للتعليم، نرى كيف تنمو أحاسيس الأطفال، تجاه معاني الأشياء عن طريق عيونهم وجلودهم وعضلاتهم وحواسهم المختلفة، وتغذى بها عقولهم، وتتيح لهم رؤية جديدة ومتجددة لعناصر البيئة المحيطة. 

 وظيفة أخرى فعالة للعب يجب أن نحسن رؤيتها ، وهي إكساب أنماط السلوك المختلفة للطفل أثناء لعبه، فنستطيع أن نرى الطفل ( باحثاً ) عن بعض ما يخفى عليه ، و (اجتماعيا ) مع الذين من حوله ، و(مديراً  ) للعناصر المحيطة به ، و( أباً وأما أو ابنا أو جندياً أو غيره ) في بعض الأحيان .. 

إن اللعب يهيئ للطفل فرصة للاستمتاع في بدايات عمره، ومع نموه فإنه يهيئ فرصة أخرى للتحرر من واقعه المليء بالقواعد والقيود ،  وفرصة لتحقيق أهدافه وزيادة معارفه ، وتفاعل حركاته الوجدانية، ما يجعلنا نعقد دراسات متتاليات، وبحوث ذات جدوى حول اللعب وكيفية الاستفادة منه .

رابط الموضوع الأصلي: http://almoslim.net/tarbawi/286191

اترك تعليقا