السؤال:
ابني الكبير في كلّ مرّة يخبرني بأنّه يحبّني، فأردّ عليه أحبّك الله الذي أحببتني له، فما حكم الإكثار من هذه الكلمة؟ ولو أنّ بنتي قالت لي هذه الكلمة لما أنزعجت كما أنزعج عند ما يكثر منها ابني، أرى بأنّ الصبي لا بدّ أن يكون أكثر جديّة، فما الحكم الشرعي في المسألة؟ وكذلك نظرة الجانب الأخلاقي؟
الجواب:
الحمد لله.
إن محبة الولد لأبيه نعمة من الله، تستحق الشكر، ودليل على توفيق الله تعالى للوالد في تربية ولده، وهي محبة طبيعية يختلف الناس في التعبير عنها.
وليس في الإخبار بالمحبة عيب، ولا حرج، فقد ندبنا النبي ﷺ إلى ذلك، كما في الحديث: عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ:  إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ [1]
وعن أبي إدريس الخولاني أنه قال: “دخلت في مسجد دمشق، فإذا فتى شاب براق الثنايا وإذا الناس معه، إذا اختلفوا في شيء، أسندوا إليه، وصدروا عن قوله. فسألت عنه، فقيل: هذا معاذ بن جبل.
فلما كان الغد، هجرت، فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي، قال: فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قبل وجهه فسلمت عليه، ثم قلت: والله إني لأحبك لله.
فقال: آلله؟
قال، فقلت: آلله، فقال: آلله؟ فقلت: آلله.
قال: فأخذ بحبوة ردائي فجبذني إليه، وقال: أبشر. فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول:  قال الله -تبارك وتعالى-: وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في والمتباذلين في [2]
وفي مسند الإمام أحمد (12522) عن أنس: أن رسول الله ﷺ استقبله نساء وصبيان وخدم جائين من عرس من الأنصار، فسلم عليهم، وقال: والله إني لأحبكم
وفي سنن أبي داود: (1522) عن معاذ بن جبل: أن رسول ﷺ أخذ بيده، وقال: يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، فقال: أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك
وقال الشافعي للربيع بن سليمان: (ما أحبك إلى) انتهى[3].
فالحاصل أن الإخبار بالمحبة لا حرج فيها ولا عيب.
والأصل أن تبادل هذا الولد محبته، وأن تقترب منه، لا أن تجفوه وتبتعد عنه، وتربيته على الجدية تكون بإشراكه في القرارات، وتحميله المسؤولية مع التوجيه والنصح.
فعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: “قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ:  مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ. [4]

ولا يظهر لنا في هذا القول، بمجرده، ولا حتى في الإكثار منه: ما ينافي الجدية والصلابة في مواجهة الحياة؛ فإن أمر الجدية أو عدمها: ليس مقياسه ذلك، بل تحتاج إلى أن تنظر إلى سلوكه العام في الحياة، وحسن تصرفه، ومواجهته لمشكلات الحياة، وتحمله لصعابها، وكيف يتصرف في مواقف الشدة، والأزمات، والضيق.
وهذا كله يحتاج منك إلى أن تراعي ذلك في تربيته، وتدع له مساحة مناسبة لسنه وقدراته، في تحمل المسؤولية، واتخاذ القرار، وتحمل عاقبة اختياره بنفسه، ولا يكون شخصاً اتكالياً، اعتمادياً على والده، أو على غيره.
والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب.

  1. رواه أبو داود (5124) وغيره، وصححه الألباني.
  2. رواه مالك في الموطأ (3507).
  3. من طبقات الشافعية للسبكي (2/ 134).
  4. رواه البخاري (5997) .