لا أعلم حقيقة ما هو التوقيت الذي بدأ فيه التحول الذي نراه حاليا في حياة أغلب الأسر العربية، وهو ما أصبح ظاهرة أستطيع بثقة أن أقول أن نتائجها أخطر مما نتخيل.

 قد يكون من بين أسباب غياب الأب  تحصيل لقمة العيش وهو أمر هام  لكن هناك الكثير من أساليب التواصل اليومي التي تجعل الأولاد يشعرون بوجوده بينهم وحبِّه و اهتمامه ونصحه وتوجيهه ورعايته، دون أن يتحول إلى مجرد صراف آلي  فحسب ويفقد المعنى الحقيقي لأبوته.

قد يكون غياب الأب ناتجا عن المسؤولية الكبيرة التي تحتاجها التربية، فيكون الحل المناسب هو الهروب دون مشاكل وأن يترك الحمل بأكمله على الأم وحدها وهو أمر ليس بصحيح أبدا، لأن حكمة  الله تعالى اقتضت أن تتكون الأسرة من أبوين لأن في ذلك خير لبني البشر، ونحن  بخروجنا عن هذا المنهج  نخل بموازين الكون بالتأكيد.

وربما من أسباب غياب الأب أيضا هي الأم نفسها بعاطفتها الزائدة  وخوفها على أطفالها من قسوة  أبيهم، فتقصيه  بطرق عدة أولها أن لا تنقل إليه أخبارهم وتحل مشاكلهم بنفسها وتعودهم على هذا، فتخطئ الأم بحق أولادها أولا وبحق نفسها ثانيا وبحق زوجها بالتأكيد لأن الخسائر كذلك أكبر من المكاسب، ومن الأفضل أن يكون هناك نصح وتوجيه للأب  من ثقات في العائلة مثلا.

وتتمثل نتائج هذا الغياب بـ:

  • أن يفقد الأطفال الكثير من الميزات والفوائد العظيمة التي يمتلكها أقرانهم ممن عاشوا في كنف آباء حاضرين.
  • أن تمتلئ مجتمعاتنا بأيتام آباؤهم على قيد الحياة.
  • أن تفقد المرأة الكثير من الدعم والمساندة التي يحققها حضور الآباء وبالتالي تثقلها الضغوط وتزداد المهام والأعباء فتتعس وتفقد سعادتها وتوازنها النفسي وربما صحتها الجسدية والتي بدورها تؤثر على العائلة بأكملها.
  • لغياب الأب كذلك أثره الأكبر على علاقته بزوجته والذي يجعلها تشعر بالغبن كونه تركها وحيدة في ميدان مرهق خطر سعيا خلف متعة أو عمل أو مال لا تقارن مكاسبه بما يخسره بالمقابل في عائلته وبيته.
  • وجود الأب كطرف غريب أو ممل عندما يكبر وتضطره ظروفه الصحية وكبر سنه للتواجد بين أفراد عائلته، فيجد نتيجة غيابه عنهم في صغرهم وحشة وغربة وربما كراهية بينه وبينهم، وهيهات أن يمتلك القدرة على التغيير.
  • والأهم من هذا كله، هو أن تفقد الفتيات السند الحقيقي الذي يمنحهن الثقة والقوة لمجابهة الفتن ومشكلات الحياة، وهو محبة الأب وحنانه وثقته وما تتعلمه منه من مواقف لن تتعلمها من غيره مطلقا.

أهمية وجود الأب في حياة البنات:

أخبرتني يوما إحدى صديقاتي، وكانت قد نشأت في مجتمع متحرر جدا من كل التقاليد والالتزام الديني، أنها لم تتكلم مع شاب قط خارج حدود العلاقات الاجتماعية المعروفة والواضحة، لأنها ومن شدة حبها لوالدها لا تتخيل أن تقيم علاقة حب بالسر مع أحدهم مهما بدا لها رائعا، فينظر لوالدها نظرة  اِستهزاء أو إهانة، وهو أمر هام جدا وسبب كبير لحماية بناتنا بالتأكيد، لأن العلاقة القوية التي تربط الأب مع ابنته تمنحها نوعا من القوة النفسية والثقة بالنفس تجعلها غير محتاجة للكلمات المعسولة التي يقدمها لها شاب طائش عبر هاتف ذكي أو لقاءات خفية شائنة، وبالذات عندما يمنح الأب لبناته المديح بسخاء ويكسبهن الثقة الكبيرة بأنفسهن وهو ما تبحث عنه الفتاة عادة في العلاقات.

وأذكر كيف كانت علاقتي القوية بوالدي وتلك الأنشطة التي كنا نقوم بها معه نحن بناته الأربعة من أكبر الأسباب التي دعتنا لبناء مستقبلنا كما يجب، وإكمال تعليمنا بل و صقل مواهبنا، وقد كان هو قدوتي الأولى في حب القراءة والكتابة، وكنا نتناقش كصديقين مقربين وكم كنت أعتز بهذا وأعتبره سببا في مجابهة  أعباء الحياة رغم صعوبتها، ترافقني كلمات دعم ومديح قالها لي ولا أخالف رأيه أبدا.

فكيف كان نبينا صلى الله عليه وسلم مع زوجته وبناته:

ربما علينا في هذا الأمر أن نرجع لقدوتنا ومعلمنا الأول صلى الله عليه وسلم لنبحث عن أسلوبه وطريقته التي تعامل بها مع عائلته وكيف كان وجوده في حياة بناته رضي الله عنهن وأرضاهن.

أحب جدا أن أتحدث عن موقف السيدة فاطمة رضي الله عنها عندما لم تجد ملجأ وسندا يحميها مما يؤرقها إلا والدها فجاءته تشكو إليه خطبة سيدنا علي لِابنة أبي جهل وقد تعامل مع الأمر يومها بمنطق الأب الغيور على مشاعر ابنته ووقف بجانبها مانعا زواج سيدنا علي رضي الله عنه.

 فعن الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ لَهُ إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ قَالَ الْمِسْوَرُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّي وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَفْتِنُوهَا وَإِنَّهَا وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا قَالَ فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ رواه البخاري (3729) ومسلم (2449).

أحب شعوره بمشاعر السيدة زينب عندما فارقت أبا العاص بن الربيع زوجها ولم تتزوج بعده حتى عاد مسلما.

وحمله لأمامة ابنتهما وهو يصلي..

وكل المواقف التي جمعته بأولاد ابنته الحسن والحسين رضي الله عنهما.

وأنه كان لا يتوقف عن ذكر أم أولاده السيدة خديجة رضي الله عنها ويعلن عن حبه لها ويكرم من كانت تكرمهم وهو ما يجعلنا نتخيل كيف كان يتعامل معها أمامهم وكيف يحترمها ويودها وهو ما يقدم أعلى نسبة من التوازن النفسي لدى الأطفال.

أحب كسره للتقاليد التي كانت سائدة في عصره والتي تعتبر وأد البنات شرف و أنه لم يفرط بفلذات كبده مطلقا.

وأنه بكى وذرف  الدمع عند دفن ابنه، وأتخيل كيف يمكن أن يرى الأولاد هذا الفعل من والدهم ولا يذوبون حبا فيه .

والنتيجة:

فليعد الآباء إلى بيوتهم ولينثروا على رؤوس الأولاد حبا وحنانا وثقة وأنشطة يشاركونها معهم ومواقف تربوية لا يتعلم الأولاد إلا منها.

ليعد الآباء إلى مهمتهم الأولى بجانب الأم بل قبلها فلن تستقيم الحياة إلا بالطرفين معا فلا مجال لنجاح مع مخالفة السنن الكونية.

وليجنوا بعد هذا البر من الأولاد، والمحبة من الزوجة، والبيت الدافئ الذي يعتبر الحصن الحقيقي و الجنة الوارفة لهم وللأولاد.

ولنترك الهروب جانبا  لأنه لا ينتج في العادة إلا الرسوب،  وهو الفشل والحزن والندم بالتأكيد.

عبير النحاس